المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة : بعيدا عن كل هذا !.- عبدالحفيظ مريود


مصعب الرمادى
08-06-2009, 06:02 AM
بعيداً عن كل هذا
قصة /عبد الحفيظ مريود

(1)
كدتُ أقول للزغاوية الأمر، حين عجزتُ عن التسوية، قدرَّتُ أنه يمكنني أن أطرح السّر، ولكنني في اللحظة الأخيرة أحجمتُ. تعرفين ذلك كما لو أنَّ أحداً ما، يسحبُ في اللحظة الأساسية حقل الكلام يزرعه ببذاره.. وأنا أقود السيارة، والزغاوية موغلة في الصمت إلى جانبي، بدأ لي ان الأمر خطأ منذ البداية، انشغل عن صمتها الموجع بالطريق الوعرة، بين جبال كاورا الممتدة بعيداً في الطريق إلى كبكابية. الشمس لاهبة والجبال تكاد تشتعل.
بعد قليل سنصلُ نقطة تفتيش كاورا، أعرف ذلك عندما تكثر الأدوية الصغيرة، و تظهر شياه ضامرة ترعى بين الجبال، نافذة السيارة وجه الزغاوية بالسموم في التفاتاتي المتكرَّرة، لم تتغّير ملامحها، ولا يبدو أنها تحسُ لفح السموم انقضت سبعة أعوام وأنا أمسك بالسر ، كما يفعل المجذوب، حريصاً عليه، ومتوطداً به.. لربما لو أنني جزَّأته ، فرقته، نثرته خلال الأعوام السبعة لكنت في حلّ من كل شئ، ها قد وصلنا نقطة التفتيش. ألقي التحية على العساكر هناك، يرفع واحدهم، فرع شجرة منصوب على برميلين مليئين بالحجارة على الطريق حاجزاً. وفيما أتحرك بالسيارة بطيئاً، يسألني أحدهم إن كنت سأعود مساءً من كبكابية، فاعتذر له. العمليات المسلحة، لم تترك حركة سيارات تجارية على الطريق، لذلك يصعب التنقل في تلك النواحي. يطلب مني الكثيرون إيصالهم هنا وهناك.. وليس ثمة غير الجنود في بزاتهم مدرعين يجوسون خلال الجبال، يتنابون ولا يستقرون في مكان واحد. تعرفين منطقة الحرب، فقد شهدت ذلك في الجنوب سنوات، وفيما أنا أقود تنفتح الذاكرة عن المشهد ، كنت حينها في حوالي السادسة عشرة من عمري، وكانت إيمان، بنت خالي تكبرني بخمس سنوات.
(2)
تعرفين إذن طوال سبع سنوات أذرع شمال دارفور جيئة وذهاباً... صعدتُ ونزلتُ لو أنني لم أطاوع حامداً، صديقي لكنتُ الآن في بلد آخر أغراني بالمنظمة وبالدولارات فذهبتُ معه لستُ نادماً على شئ، أموالهم وافرة أهل المنظمات، ولكنني لم أفهم لماذا أنا بالذات هنا سبع سنوات.. كثيرون يعرفون في الكوارث فلماذا أنا؟!!
(3)
نصل إلى كبكابية.. لم أزرها منذ عامين وأكثر بدت لي متغيرة نوعاً ما .. قلت الحركة بها، ولعل قلبي تغير أيضاً أسأل الزغاوية: تذهبين إلى خالك؟ فتومئ إيجاباً تستكثر عليَّ الكلام منذ شهر تقريباً. أمرَّ على السوق، يبدو ان الحركة فعلاً قليلة لو كان الوقت شتاء لكنتُ استمتعتُ أكثر بهذه البلدة.. أحبها شتاء كنا نسهر أنا وعالم وأزرق وأحياناً إسماعيل نلعبُ الورق يعلو صياحنا وجدالنا، وامرأة عالم تعد لنا الشاي والعشاء ومابعده.. حتى منزل خال الزغاوية تغيَّر .. وتغيرت تجارته في هذا الفناء، كان الناس يفرشون السجاجيد والبروش . ضيوف من حيث تدري و لا تدري وأحاديث لا تنتهي. ما كنتُ استطيع النوم في صالون خالها، الآن الصالون خلوٌ إلاَّ مني وخالها نحتسي الشاي ونتبادل أحاديث عادية، يفرط خالها في الأحاديث العادية، سألني ان كنَّا سنمكثُ وقتاً، فقلت إنني آيبٌ غداً، ولكنها ستبقى لبعض الوقت سألني ان كان كل شئ على مايرام فقلت نعم. وكان يمكن ان أقول لا ، كان يمكن ان أفصل الأمر ولكن تعرفين أحدٌ ما، دائماً، يأخذ مساحتي من الكلام ويبذرها ببذاره .. لكأنني حتى آخر العمر، أظلُ أقول الكلام الذي لا يخصني، الكلام الذي لا يتوجب عليَّ ان أوليه عناية، أحياناً يبدو لي ان أزمتي مع الزغاوية هي أزمة كلام.. كالتي كانت بيني وبين والدتي التي حتى ماتت لم تسمع كلامي، لم تفهمني، ولم تعرف ما أنا عليه . وحين طلب مني حامد ان أعمل بالمنظمة لم يكن يعرف أنني كنتُ أنوي السفر إلى الخارج كانت لديَّ فرصة، ولكنني قلتُ كلاماً آخر.
(4)
كانت إيمان بنت خالي، في المطبخ الصغير في بيتنا تعدُ عشاءً خفيفاً سريعاً لخالتي فاطمة، التي كانت على عجلة، كنت أجلس بين والدتي وابن أخي حين فرغت إيمان نادتني لأحمل العشاء لخالتي كنتُ في السادسة عشرة، دخلت المطبخ الصغير، كان ثمة مسرجة في ركن المنضدة، وإيمان جالسة (ينحسر الثوب) أخذت العشاء وخرجت وضعته أمام خالتي، وجلست نادتني إيمان، رجعت إلى المطبخ كانت واقفة هذه المرة، كاملة وغير قابلة للتجاوز، قالت تريدني أن أصعد على البنبر، وأُنزل لها شيئاً من أعلى الرف، صعدت كانت واقفة تنتظرني، نزلتُ كنت قريباً جداً منها، ناولتها الشئ ووقفت ُ أحدق فيها، على ضوء المسرجة، كنتُ أملأ عيني من عينيها، النظرة التي كانت تخصني بها منذ الطفولة، مزيج من الحنان والعتاب والأشواق «غير المعلنة» قالت لماذا تحدق بي هكذا؟
تعرفين، لم أقل ما يتوجب عليَّ قوله تربكني نظرتها دائماً ولا أعرف ما أقول، تكبرني بخمس سنوات، وتناديني بالولد، «تعال يا ولد.. أذهب يا ولد».. كانت واقفة تنظر إليَّ تلك النظرة، رأيتُ ذلك في بعض الأفلام، دفعتني، فأمسكتها أفلتت منَّي، وأصطنعتْ غضباً فخرجتُ، بعد ثلاثة أشهر من الحادثة نُقل والدي إلى كوستي فذهبنا وبقيت إيمان بنت خالي مطبوعة على أعصابي، تمنع أية امرأة أخرى، وتفسد طعم كل النساء، وأنت تعرفين ذلك،،،
(5)
أعودُ مروراً بجبال كاورا ذاتها الموحشة الكامدة... لطالما مررتُ بها، دون أن ينتابني ذلك الشعور المهيمن بالوحشة الموغلة. أدركتُ الآن ان الزغاوية تشبه جبال كاورا هذه، لن أتوقف كثيراً في شقرا. سأتغذى على طرف السوق محاذراً ان يلمحني سليمان شقيقي .طوال سبع سنوات عرفت فيها الزغاوية كانت وعرة ومدَّمرة، كجبال كاورا هذه، لا يمكنك ان تستظل فيها من هجير ولا تدفئك شتاءً، لم يمرَّ علينا شهر دون خصام لا داعي له، ويمكنها ان تديم الخصام إلى الأبد، سواءً أكانت مخطئة أم مصيبة كنتُ أحاول احتمال ذلك عسى ان يتغيَّر شئ، وكنتُ أعرف أنني غريب ههنا في بيتي، بيت الزغاوية، لم أشعر هنا بالراحة مطلقاً، ولم يتغيَّر شئ، أقرَّبها فتنفر، أبعد أنا منها فتمعن في النأي.
أقود الآن باتجاه الفاشر تظهر لي أضواؤها من بعيد. ربما يمكنني ان أذهب إلى عصام،ولعلنا نزور أصدقاء هنا وهناك، مع أنني أشعر بارهاق بالغ لو أنني لم أذهب إلى دار زغاوة يوماً، أكنتُ التقى بالزغاوية؟ أكان لزاماً ملاقاتها؟ هل يمكن للمرء ان يهرب إلى نهاية العالم من امرأة مكتوبة؟ ولماذا انجرفت حياتي بعيداً عن بنت خالي؟ ولماذا لم تكن هي قدري على نحوٍ من الانحاء؟
أعرف ان ذلك كله لا طائل من ورائه وتعرفين ان سبع سنوات فترة طويلة لاختيار امرأة ثبت منذ السنة الأولى أنها تشبه جبال كاورا. أكل ذلك عبث؟
(6)
تعرفين بأنني استطيع ان أخبر الزغاوية الآن، على هذه الوريقات، عدم رغبتي بها منذ السنة الأولى، عدم قدرتي على احتمالها، وتعرفين أيضاً ان ذلك لا يغيَّر من الأمر شيئاً . حتى إذا أردت ان أحاول امرأة أخرى فإنني سأهزم ذاتي، فليس ثمة امرأة تشبه بنت خالي إيمان. دفعتني التجربة بعيداً عنها لأظل أسيراً لها إلى الأبد].


Free Web Hosting by BlackAppleHost.com, a free web hosting division of WiredHub.net