المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة : فيزياء اللون - عبدالعزيز بركة ساكن


مصعب الرمادى
08-13-2009, 10:59 PM
فيزياء اللون !.
القصة ا لفائزة فى مسابقة بى بى سى العربية

يلتقط الأصداف بأنامل قلقة لكنها بصيرة ماهرة : تري، تحس و تقرأ في نفس لحظة اللمس، تقوص قدماه في مياه النهر الدافئة، يسمع أنين الرمل تحتها، كان يستهدف الأصداف الكبيرة ذات النهايات التي تشبه منقار النسر، هي كثيرة تقبع في المياه الضحلة، ولكن العثور عليها يحتاج لوقت و خبرة، هذا هو يومه الأخير في كلية التربية وقد ودع تلاميذه بالأمس بعد أن قاموا بانجاز جدارية تعليمية ضخمة تطل علي نهر النيل، تجلت موهبته في رسم حركة الحشرات،السحالي و الطيور الشرسة الجارحة، لذا خلده تلاميذه في الجدارية برسم ضب نزق يتسلق الحائط برجليه الخلفيتين وذيله، يقبض بقائمتيه الأماميتين علي فرشاة تلوين.

يقلب صدفة علي بطنها، يضعها مع الأخريات برفق في الصندوق الخشبي الصغير الذي أعده لهذا الغرض ، الآن عليه الحصول علي أكبر عدد ممكن من الصدفات الصغيرات ، يحتاجها لصنع أرياش الأجنحة و الزغب الناعم علي العنق، القوائم و المخالب، يريد أن يفعل شيئاً كله من النهر و لا علاقة له بالنهر ، يريد أن يقول أن النهر هو سيد الحياة.

كان جائعاً مرهقاً سعيداً و مستثاراً بصيده النهري،لبس هدوم العمل و اشتغل في الصندوق، يسكن وحده في منزل يتكون من حجرتين ومرحاض، يستخدم الحجرة الكبيرة كمحترف له، والأخري كغرفة نوم ، سكن معه من قبل صديق سكير أدمن رباعي الفناء: الخمر، الحبيبة، الشعر و الجوع، ذات صباح أدهشه بموت صامت، منذ ذلك الحين ظلّ وحده، حتي البنيات اللائي يستخدمهن كموديل يعيدهن إلي حيث أتي بهن بعد العمل مباشرة،لا يطيق غير صحبة حبيبته فقط، بينما تدور الأشياء في رأسه تعمل معدته في صمت في هضم الفول و قطع الجبنة الصغيرة و الرغيفات كانت أنامله تتحرك في خفة وهي تصنع النسر الصدفي الضخم، بدأ بالمنقار الحاد الذي هو شبه معطي من الطبيعة ، ثم شكل العنق من الصدفات الصغيرات اللامعات الذهبيات الصفراوات الخضراوات البُنيات الأكثر خفة و بهجة و احتفاءاً بالضوء.

حَلّ المساء تدريجيا ، أضاء الكشافتين الكبيرتين اللتين توفران اضاءة افقية تساعده في دقة الرؤية و تحديد اللون، كان يعرف أن اللون ليس في السطح أو الكتلة ولكنه في العين ذاتها و تأخذه العين من الضوء لذا كان يحتاج إلي ضوء كثيف مباشر، عندما دقت ساعته الحائطية معلنة الواحدة صباحا،كان النسر الأول قد إكتمل، وأخذت عيناه الحادتان الحمراوتان تلمعان في ريبة ، مما جعله يحس بتوتر في أعصابه، قال لنفسه: " إنه الضوء.....؟ أضاء كشافة صغيرة ترسل ضوءاً أزرقَ خفيفاً في زوايا حادة، يختلط مع ضوء الكشافتين المائل إلي الحمرة، ولكنه شكل خدعة خاصة به يفهم الأستاذ قواعدها بصورة جيدة، ويعرف كيف يتعامل معها، لكن النسر الشرس الذي فرغ من صنعه للتو، حرك رأسه في اتجاه مصدر الضوء الأزرق كليةً، مما جعل الصدفات الرقيقات البهيات التي صنع منهن الصدر و زغب الرقبة تصدر صريراً باهتاً و ما يشبه صوت تصدع صدفة كبيرة، قفذ مرعوبا في الهواء ثم ضحك علي نفسه لمجرد التفكير في أنه خاف من شيء ما، حملق في النسر البَدَيَ الآن ساكناً صامتاً و بريئاً جداً، وبرقت في عينيه الحمراوتين بعض الأدمع البُنِيّةِ، يعرف أن كل ذلك ليس سوي مداعبة اعتاد عليها من الضوء، الكتلة و الفراغ من جهة وعينه و مزاجه النفسي من جهة أخري.، إلا أن إحساسه بالخوف كان حقيقياً و أصيلاً، أحس بالم الوحدة، أحس بأنه أرهق نفسه أكثر مما يجب و عليه أن يذهب بعيدا و بأسرع ما يمكن من هنا.

عندما عاد إلي البيت في الفجر وجد كل شيء كما هو، النسر ما يزال علي قاعدته،ينتظر في سكون، الأنوار مطفأة حيث أنّ الكهرباء قد نفدت، أخذ يتمعن نسره، لقد برع في صنعه ، وهو يعرف أعماله جيدا، العظيمة المتقنة و تلك العابرة الهشة، هذا النسر عمل متقن، لولا تواضع الفنان لأطلق عليه صفة الكمال،ابتسم، بدأ في صناعة آخر...و آخر و آخر...و آخر.. بعد اسبوعين من العمل الشاق المتواصل و السهر كان بمرسمه الصغير عشرة نسور عملاقة، جميلة شرسة و كاسرة، تشع أعينها في قلق ، سوف يقوم بعرضها كأول معرض تشكيلي من نسور الأصداف في التأريخ ، هو الآن أنجز عملا فنيا كاملا، و إذا كانت الروح في متناول يده، لنفخ فيها الروح فطارت.

عندما جاءت حبيبته في ذلك الصباح وجدت الباب مغلقا كالعادة، فاستخدمت مفتاحها الخاص، سمعت جلبة غير معتادة في داخل المرسم، بل ضجيجاً، تعرف عن حبيبها الهدوء، لكنه أيضاً قد يمارس الفوضي حيث أنه كثيراً ما يقوم بتحطيم أعماله الفنية بعنف و همجية إذا لم يرض عنها و أحياناً يستخدم في ذلك فأساً ورثها عن جده، قامت بدفع باب المرسم بكل ما أوتيت من قوة .

لم يمض وقت طويل علي حضور الجيران عندما علا صراخها، بل أن البعض قد شاهد النسور الضخمة تخرج مندفعة من باب البرندة لتحلق في السماء فاردة أجنحتها الذهبية اللامعة في هواء يناير الساخن، وفي الداخل كان الهيكل العظمي الحزين يرقد مبللا بالدم الطازج.

مصعب الرمادى
08-14-2009, 12:38 AM
ديباجة :
درس عبد العزيز بركة ساكن المرحلة الابتدائية بمدرسة "ديم النور الابتدائية بنين" بالقضارف (عمر الفاروق لاحقا ثم الرباط حاليا) ودرس الثانوي العام بمدرسة خشم القربة ، والثانوي العالي بمدرسة حلفا القديمة ودرس إدارة الأعمال بجامعة أسيوط بمصر . عمل مدرسا للغة الإنجليزية في الفترة 93 ـ 2000 ، ثم موظفا بمنظمة Plnsudan العالمية ، ثم مستشارا لدى اليونسيف في دارفور 07ـ2008 ، ويعمل الآن مديرا لصندوق تنمية المجتمع(شراكة بين وزارة المالية والأمم المتحدة) بالكرمك .
فاز الأستاذ عبد العزيز بركة ساكن بجائزة ال BBC للقصة القصيرة على مستوى العالم العربي 1993 عن قصته "امرأة من كمبو كديس" ، كما فاز بجائزة قصص على الهواء التي تنظمها ال BBC بالتعاون مع مجلة العربي عن قصتيه "موسيقى العظام" و "فيزياء اللون" .
وصدرت للأستاذ عبد العزيز الذي ولد بكسلا عام 1963 أو 1964 المجموعات القصصية التالية : على هامش الأرصفة ـ 2005 ، امرأة من كمبو كديس ـ 2005 . وصدرت له الروايات : الطواحين ـ الطبعة الأولى 2000 والثانية 2007 والثالثة 2009 ، زوج امرأة الرصاص والبنت الجميلة ـ 2009 ، ثلاثية البلاد الكبيرة ـ 2009 . وصدرت للأستاذ عبد العزي/الأمين العام السابق لنادي القصة ترجمة انجليزية وفرنسية لرواية "حواية والضبع" ـ 2009 ، ورواية "فارس بلالة ـ 2009 بذات اللغتين ولم تصدر طبعتهما العربية بعد . ونشرت له قصص في مجلة الدوحة القطرية ، ونزوة العمانية ، والناقد اللندنية . وتُرجمت له قصص باللغة الانجليزية في مجلة "بانيبال" الانجليزية ، وباللغة الفرنسية في مجلة "ريفيو" . وصدر له : غابة صغيرة ـ انطلوجيا القصة السودانية القصيرة بالمشاركة2009 مع آخرين بالمشاركة ـ تحريرالشاعر نصّار الحاج ، ودروب جديدة ـ إصدارات نادي القصة 2004 .
وله تحت الطبع : الجنقو مسامير الأرض ـ رواية ، العاشق البدوي ـ رواية ، ما يتبقى كل ليلة من الليل ـ نصوص ، موسيقى العظام ـ مجموعة قصصية ، كتاب عن شعر الكردوسي بالاشتراك مع الأستاذ ميرغني الطاهر من الكراديس .
متزوج وله ولدان المهاتما ومستنير ، ويقيم في خشم القربة .
ويستضيف منتدى شروق الثقافي بالتعاون مع وحدة عركي للانتاج الفني الأستاذ عبد العزيز بركة ساكن ، والأستاذ الأستاذ الشاعر الكبير عالم عباس محمد نور/رئيس اتحاد الكتاب السودانيين ، والبروفيسور زافيير لوفن أستاذ اللغة العربية بجامعة بروكسل الحرة ببلجيكا
في يومي الجمعة والسبت المقبلين بكلية الطب في إطار المهرجان الأدبي الثاني الذي يُقام تحت عنوان : (ما بين القصة والشعر والترجمة) كتظاهرة ثقافية تسعى لتعريف القضارف بابنها وابن كسلا وخشم القربة وكل السودان .
ونواصل


Free Web Hosting by BlackAppleHost.com, a free web hosting division of WiredHub.net